
في بلدٍ يغرق في الأزمات، نترك الأساس… ونغرق في التفاصيل.
الإعلامية سماح الحاج
للوهلة الأولى، يبدو الأمر كاكتشافٍ خطير في بلدٍ أنهكته الكوارث. فجأة، وفي خضم واحدة من أسوأ المراحل في تاريخ لبنان، يتحوّل إعلامي إلى تهديدٍ للأمن القومي، وكأنّ البلد فرغ من كل أزماته ولم يبقَ فيه سوى هذا «الخطر الداهم».
لبنان يعيش أزمات متراكمة لم يعرف لها مثيلاً منذ تأسيسه: انفجار مرفأ ما زال بلا حقيقة ولا محاسبة، أموال مودعين تبخّرت بلا أفق استعادة، فساد موصوف في إدارات الدولة، مؤسسات مشلولة، ضغوط خارجية وحصار غير معلن، ومسيّرات لا تفارق السماء. هذه ليست تفاصيل، بل عناوين دولة مأزومة. ومع ذلك، تبقى هذه الملفات الثقيلة مؤجَّلة، فيما تُفتح معركة صاخبة حول ملف شخصي، يُضخَّم ويُقدَّم للرأي العام على أنّه إنجاز وعدالة.
المشكلة هنا ليست في المحاسبة. على العكس، المحاسبة ضرورة، وأي خطأ يجب أن يُعالَج ضمن إطاره القانوني الطبيعي. لكن ما يحصل اليوم لا يشبه محاسبة بقدر ما يشبه حملة. حملة تُظهر كيف يعمل هذا البلد: حين يُقرَّر استهداف شخص، يُفتَّش في كل تفصيل من تاريخه، تُنبَش حياته، وتُحوَّل القشور إلى قضايا كبرى. في المقابل، هناك عشرات في مواقع دقيقة وحسّاسة، غير مؤهّلين ولا صالحين، وصلوا إلى هذه المواقع بالكذب أو بالمحسوبيات أو بالشعارات، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم.
الأخطر أنّ هذا النوع من الحملات يُقدَّم بوصفه بطولة. قاضٍ «عمل شغله»، إجراء «حاسِم»، رسالة «قوية». لكن بناء الدول لا يكون بالاستعراض، ولا بتحويل القضاء إلى منصّة للتباهي. القضاء يُبنى بالصمت، بالاستقلال، وبالاقتراب من الملفات الكبرى لا بالالتفاف حولها.
من موقعي كصحافية، ومن خلال استضافتي للأستاذ فادي بودية أكثر من مرة، أقول بوضوح: هذا الكلام ليس دفاعاً عنه، ولا تبنّياً لمواقفه. أنا لست مع فادي بودية في مواقفه السياسية، ولا أشاركه انتماءه أو خطّه. لكنني أعرف شيئاً واحداً: الرجل صادق في موقفه، واضح في انتمائه، وحرّ في خياره. لم يتلوّن، ولم ينقلب عند أول خلاف، ولم يبدّل قناعاته بحسب ميزان الربح والخسارة.
وهنا النقطة الجوهرية. لا يمكن بناء بلد على فكرة إسكات الأصوات المخالِفة. لا أريد إسكات فادي بودية ليعلو صوتي، ولا أريد أن أكون الصوت الوحيد لأنّ الآخر يزعجني. حرية الرأي لا تُجزَّأ، ولا تُمنح على قياس القناعات.
ثم سؤال لا يمكن القفز فوقه: طالما يُقال إنّ القضاء «بيد الثنائي الشيعي» و«خاضع للحزب»، فلماذا لا يُسأل هذا القضاء عن سبب عدم حماية فادي بودية إذا كان محسوباً على هذا الخط؟ لماذا لا يُسأل الحزب عن ترك إعلامي يُهاجَم بهذه الشراسة؟ هذا التناقض وحده كافٍ لفضح زيف كثير من الشعارات.
القضية، إذاً، ليست فادي بودية، ولا أي إعلامي آخر. القضية أعمق وأخطر: بلد يترك الأساس ويغرق في التفاصيل، يهرب من مواجهة الملفات المصيرية، ويستسهل المعارك الصغيرة لأنّها أقل كلفة.
بهذا المعنى فقط، يصبح السؤال مشروعاً:
من يهدّد الأمن القومي فعلاً؟
إعلامي بموقف سياسي واضح؟
أم دولة تضيّع أولوياتها، وتستبدل العدالة بالاستعراض؟
المصدر : Transparency News